الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذمّ زائد على التّحريم ، فوصفه به تحذير من تناوله . وتأنيس للمسلمين بتحريمه ، لأنّ معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدّم فما يأكلونها إلّا في الخصاصة . وخباثة الخنزير علمها اللّه تعالى الّذي خلقه . وتبيّن أخيرا أنّ لحمه يشتمل على ذرّات حيوانية مضرّة لآكله أثبتها علم الحيوان وعلم الطبّ . وقيل : أريد أنّه نجس لأنّه يأكل النّجاسات وهذا لا يستقيم لأنّ بعض الدّواب تأكل النّجاسة وتسمّى الجلّالة وليست محرّمة الأكل في صحيح أقوال العلماء . وإن كان الضّمير عائدا إلى الثلاثة بتأويل المذكور كان قوله : فَإِنَّهُ رِجْسٌ تنبيها على علّة التّحريم وأنّها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء . وهي مفسدة بدنيّة . فأمّا الميتة فلما يتحوّل إليه جسم الحيوان بعد الموت من التعفّن ، ولأنّ المرض الّذي كان سبب موته قد ينتقل إلى آكله . وأمّا الدّم فلأنّ فيه أجزاء مضرّة . ولأنّ شربه يورث ضراوة . والفسق : الخروج عن شيء . وهو حقيقة شرعية في الخروج عن الإيمان ، أو عن الطّاعة الشّرعية ، فلذلك يوصف به الفعل الحرام باعتبار كونه سببا لفسق صاحبه عن الطّاعة . وقد سمّى القرآن ما أهلّ به لغير اللّه فسقا في الآية السالفة وفي هذه الآية ، فصار وصفا مشهورا لمّا أهلّ به لغير اللّه ، ولذلك أتبعه بقوله : أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . فتكون جملة : أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صفة أو بيانا ل فِسْقاً ، وفي هذا تنبيه على أنّ تحريم ما أهلّ لغير اللّه به ليس لأنّ لحمه مضرّ بل لأنّ ذلك كفر باللّه . وقد دلّت الآية على انحصار المحرّمات من الحيوان في هذه الأربعة ، وذلك الانحصار بحسب ما كان محرّما يوم نزول هذه الآية ، فإنّه لم يحرّم بمكّة غيرها من لحم الحيوان الّذي يأكلونه ، وهذه السّورة مكّيّة كلّها على الصّحيح ، ثمّ حرّم بالمدينة أشياء أخرى ، وهي : المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وأكيلة السّبع بآية سورة العقود [ 3 ] . وحرّم لحم الحمر الإنسيّة بأمر النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم على اختلاف بين العلماء في أنّ تحريمه لذاته كالخنزير ، أو لكونها يومئذ حمولة جيش خيبر ، وفي أنّ تحريمه عند القائلين بأنّه لذاته مستمرّ أو منسوخ ، والمسألة ليست من غرض التّفسير فلا حاجة بنا إلى ما تكلّفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرّمات في الأربعة . وكذلك مسألة تحريم لحم كلّ ذي ناب من السّباع ولحم سباع الطّير وقد بسطها القرطبي وتقدّم معنى : أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ في تفسير سورة المائدة [ 3 ] . وقرأ الجمهور : إِلَّا أَنْ يَكُونَ - بياء تحتيّة ونصب مَيْتَةً وما عطف عليها -